أخبار وطنية حملة «مانيش مسامح» تعيد دولة البوليس الى الواجهة.. والداخلية تتبرأ وتتحدث عن مندسّين
شهدت الوقفات الاحتجاجية المعارضة لمشروع قانون المصالحة الاقتصادية والمالية، والتي دعا اليها مجموعة من الشباب في تونس العاصمة وفي مختلف ولايات الجمهورية تحت شعار «مانيش مسامح»، شهدت تدخلا لقوات الأمن وصف بالعنيف، حيث تناقلت المواقع الالكترونية وصفحات مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات وصورا لاعتداءات بواسطة الهراوات والغاز المسيل للدموع على المحتجين من قبل وحدات الأمن، وهو ما أثار موجة من الاستياء والتنديد. كما رأى البعض أن هذه الممارسات التي وصفت بـ «القمعية» مؤشرا خطيرا على عودة الممارسات البوليسية، من جهتها نفت وزارة الداخلية أن يكون الاعوان قد اعتدوا بالعنف أو استعملوا الغاز المسيل للدموع ضدّ المتظاهرين، وأوضحت أن الأمنيين تصدوا لمحاولات استفزازهم من قبل المحتجين، معللة تدخل أعوان الأمن بحالة الطوارئ التي تشهدها البلاد والتي لا تسمح بتنظيم مثل هذه المسيرات .
ويذكر أن أولى محاولات التصدي لحملة «مانيش مسامح» كانت بساحة محمد علي وبشارع الحبيب بورقيبة في تونس يوم الثلاثاء 2 سبتمبر، لتتتالى عمليات الكرّ والفرّ بين المحتجين والأمنيين في القيروان وسيدي بوزيد والكاف وصفاقس التي شهدت استعمالا للغاز المسيل للدموع والهراوات قصد تفريق المحتجين، ويذكر أن التدخل الأمني أسفر عن ايقاف قرابة 25 شابا وشابة حسب ما أكده أعضاء حملة «مانيش مسامح» .
مع العلم أن محاولات حشد المعارضين لمشروع القانون على مواقع التواصل الاجتماعي والدعوات للنزول الى الشارع مازالت متواصلة حيث من المنتظر ان تنتظم وقفة احتجاجية بشارع الحبيب بورقيبة يوم السبت 12 سبتمبر، ونشير الى أن هذه الوقفة دعا اليها بعض الشباب عبر الفايس بوك الا أن بعض الأحزاب الرافضة لقانون المصالحة دخلت على الخط، ودعت هي الأخرى الى وقفة احتجاجية في نفس التاريخ ومن بين هذه الأحزاب نذكر الجمهوري والتكتل من أجل العمل والحريات والتحالف الديمقراطي والتيار الديمقراطي وحركة الشعب وقد رأى البعض أن حضور هذه الأحزاب المشاركة في هذه التحركات ماهو الا محاولة منها للركوب على الأحداث والعودة الى الواجهة الاعلامية لا غير.
منظمات وجمعيات تندد بالعنف، واتحاد الشغل يستنكر
رافق التدخل الأمني لتفرقة المحتجين واستعماله للغاز المسيل للدموع والهراوات، موجة من التنديد والاستنكار، حيث دعا مجلس أمناء الجبهة الشعبية إلى تحرك المجتمع المدني واتحاد الشغل للاحتجاج على عودة القمع في التعامل الأمني وللتأكيد على أن حق التظاهر كفله الدستور.
من جهتها أعلنت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان فتح تحقيق في الاعتداء على المتجمعين سلميا للاحتجاج على مشروع قانون المصالحة الاقتصادية واتخاذ الاجراءات اللازمة تجاه هذا التصعيد الأمني القمعي المنافي للحقوق المضمونة بالدستور.
كما ندد الاتحاد العام التونسي للشغل بتدخل قوات الأمن لفضّ احتجاجات الشباب بعد تجمّعهم في بطحاء محمد علي للتعبير عن موقفهم من مشروع المصالحة الاقتصادية والمالية، وندّد الاتحاد بما اعتبره ضربا للحريات وانتهاكا للحرمة الشخصية للمواطنين وتعدّيا على حقّ التعبير والاحتجاج وحذّر الاتحاد من استخدام قانون الطوارئ كذريعة للتضييق على الحريات.
أما لجنة الحقوق والحريات بمجلس نواب الشعب، فقد قررت دعوة وزير الداخلية محمد ناجم الغرسلي لمساءلته صلب اللجنة بخصوص الإعتداءات الأخيرة على المتظاهرين ضد مشروع قانون المصالحة المالية والإقتصادية من قبل قوات الأمن.
عميرة علية الصغير: هذه بشائر العودة الى دولة البوليس وقمع الحريات
أكد المؤرخ عميرة علية الصغير أن حالة الطوارئ لم تمنع الشعب التونسي من التظاهر عهد الترويكا مضيفا أن الشعب توهمّ انّه وضع دستورا يضع الحدّ الأدنى من الحريات الضامنة لكرامة التونسيين، لكن وفي أقل من سنة من وضعه انطلقت بشائر العودة الى دولة البوليس وقمع الحريات وذلك تحت غطاء قانون الطوارئ، الموروث منذ الستينات على دولة الاستبداد، على حد تعبيره مشيرا الى أنه وقع الاستنجاد بهذا القانون لاغلاق الباب أمام الحريات.
واستغرب المؤرخ عميرة الصغير من تقديم طلبة للمحاكمة بتهمة خرق حالة الطوارئ التي أرسيت أصلا لمقاومة الارهاب، كما استغرب من الاعتداء على محتجين سلميين لأنهم ضد التسامح مع السرّاق وناهبي المال العام على حد قوله، مضيفا: «إذا استمرت الأمور على ما عليه لن يكون سلميا الانفجار القادم».
شرف الدين القليل: الداخلية اعتمدت السياسة القمعية
من جهته أكد عضو حملة «مانيش مسامح»، الاستاذ شرف الدين القليل لأخبار الجمهورية أن وزارة الداخلية غالطت الرأي العام عندما أكدت أنه لم يقع اعلامها بالوقفات، مضيفا أن أعضاء الحملة أعلموا سلط الاشراف بوقفاتهم وأن كافة التحركات قانونية.
واشار القليل الى أن الوزارة تعللت بحالة الطوارئ رغم كون هذا القانون لا يتعارض البتة مع هذه التحركات السلمية مبينا أن الفصل 7 من أمر 28 جانفي 1978 يمنح الامكانية لوزير الداخلية بمنع التحركات شرط تهديدها للأمن العام والحال أن التحركات الأخيرة كانت سلمية ولم ترفع خلالها سوى الشعارات واللافتات وهو ما لا يمثل تهديدا على الامن العام على حدّ تعبيره، وذكّر شرف الدين القليل وزارة الداخلية انها سمحت ورخصت لكل التحركات في عهد الترويكا رغم كون البلاد كانت تمر أيضا بحالة طوارئ.
وأكد الأستاذ شرف الدين القليل أن ما شهدته التحركات الأخيرة يتنزل في اطار حملة قمعية انخرطت فيها السلطة التنفيذية ورئاسة الجمهورية باستعمال الآلتين الأمنية والقضائية لكبح جماح مناهضي قانون المصالحة الى جانب اعتمادهم على جوقة خبراء القانون وبعض وسائل الاعلام من اجل التعبئة ..
وذكر محدثنا أن التدخل الامني أسفر عن تتبع أكثر من 30 شابا وشابة قضائيا وأن جملة من الايقافات توزعت كالآتي : 12 عملية ايقاف بصفاقس و6 عمليات ايقاف بسوسة وايقاف شابين بالقيروان و7 شبان بتونس العاصمة.
وبين القليل أن كل محاولات منع التحركات والوقفات الاحتجاجية مخالفة للقانون واغتصاب لكل ما جاء به الدستور قصد تمرير مشروع يحمي الفاسدين والسراق، مشيرا الى أن أعوان الأمن خيّروا الحلّ القمعي في ظلّ صمت المربع الحاكم ونواب الشعب وخاصة لجنة الحقوق والحريات التي ترأسها الحقوقية بشرى بلحاج حميدة، مؤكدا أن صمت هذه الجهات هو مشاركة في الحملة القمعية وانخراط فيها .
وذكر أن اهداف حملة «مانيش مسامح» تتجاوز التصدي لقانون المصالحة لتصل حد التصدي لكل محاولات تشويه العدالة الانتقالية والتلاعب بالدستور والارتداد على مكاسب الثورة .
الصادق بن مهني: هذا ما كشفه القمع البوليسي..
أكد الناشط السياسي الصادق بن مهني لاخبار الجمهورية أن استعمال أعوان الأمن للعنف ضدّ المتظاهرين أمر غير مستبعد وكان منتظرا، مضيفا أن لغة السلطة صارت لغة تسلطية تنبئ باعادة بناء السلطة الاستبدادية التي عانى منها الشعب التونسي منذ الاستقلال والمتمثلة في قمع الصوت المعارض .
وأكد الصادق بن مهني أن منع التظاهرات تكرر كما تكررت عمليات الحد من حرية التعبير ومن حرية الصحافة وهو ما أثبتته المحاكمات، مبينا أنه من الطبيعي أن تلجأ السلطة اليوم الى القمع .
وافادنا محدثنا انه ولئن لم يستغرب من عودة القمع، فانه استغرب من عودة النفس الثوري لدى الشباب وقدرتهم على تجنيد الشارع والتنظّم والتحرك الميداني، مؤكدا أن ما كشفه القمع ليس وجه القمع الحقيقي بل أن المقاومة مازالت موجودة ..
وليد الوقيني: الأبحاث أثبتت اختراق المتطرفين للوقفات
وفي تصريحه لأخبار الجمهورية، أكد المكلف بالعلاقات مع المؤسسات الإعلامية في وزارة الداخلية وليد الوقيني أن التهديدات الارهابية التي تعيش على وقعها البلاد، واعلان حالة الطوارئ، يقتضيان فرض اجراءات استثنائية...
وذكر الوقيني أنه وطبقا للفصل 77 من الدستور الذي يخوّل لرئيس الجمهورية اتخاذ التدابير التي تحتمها الحالة الاستثنائية ومن ذلك اعلان حالة الطوارئ طبقا لمقتضيات الأمر عدد 50 من سنة 1978، مؤكدا أن اقرار حالة الطوارئ جاء على خلفية التهديدات الارهابية التي لاتزال متواصلة وليس بغاية حرمان المواطنين من حقوقهم التي مكنهم منها الدستور وانما حرصا على توفير مساحة من الأمن للجميع ..
وبين الوقيني أن حالة الطوارئ تقتضي اتخاذ التدابير اللازمة في ما يتعلق بالتظاهرات والتجمهر مبينا أن الوقفات الاحتجاجية تتطلب بالضرورة تقديم مطلب والحصول على الترخيص.
وأكد الوقيني أن المواطن مطالب بتفهّم دقة المرحلة التي تمر بها البلاد، وأن تطبيق حالة الطوارئ لا يعني نية التضييق على الحريات التي أتت بها تضحيات الشعب التونسي، وأن المحافظة على هذه الحرية تقتضي المحافظة على أمن البلاد وعدم السماح لأي كان بالمساس بها .
وافادنا المكلف بالعلاقات مع المؤسسات الإعلامية في وزارة الداخلية انه كان هناك سعي لتفريق المتظاهرين بالقدر الممكن من الاتفاق معهم، لكن البعض عمد الى دفع الأعوان واستفزازهم ورغم ذلك فقد تم تفريق الوقفة بأقل قدر ممكن من القوة على حدّ تعبيره، مؤكدا أنه لا يمكن اليوم الحديث عن عودة القمع والاستبداد لأن وزارة الداخلية حريصة على المحافظة على مكتسبات الشعب التونسي مضيفا أن المطلوب من الجميع تفهم المخاطر التي تحدق بالبلاد والتي لا تخفى على أحد.
اعداد: سناء الماجري